محمد بن جرير الطبري
127
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قيل : الشهادةُ التي عندهم من الله في أمرهم ، مأ أنزل الله إليهم في التوراة والإنجيل ، وأمرُهم فيها بالاستنان بسُنَّتهم واتباع ملتهم ، وأنهم كانوا حُنفاء مسلمين . وهي الشهادةُ التي عندهم من الله التي كتموها ، حين دعاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ، فقالوا له : ( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ) [ سورة البقرة : 111 ] ، وقالوا له ولأصحابه : " كونوا هُودًا أوْ نصارى تَهتدوا " ، فأنزلَ الله فيهم هذه الآيات ، في تكذيبهم ، وكتمانهم الحق ، وافترائهم على أنبياء الله الباطلَ والزُّورَ . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 140 ) } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : وقل - لهؤلاء اليهود والنصارَى ، الذين يحاجُّونك يا محمد - : " وما اللهُ بغافل عما تعملون " ، من كتمانكم الحق فيما ألزَمكم في كتابه بيانَه للناس من أمر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطِ في أمر الإسلام ، وأنهم كانُوا مسلمين ، وأنّ الحنيفية المسلمة دينُ الله الذي على جميع الخلق الدينُونةُ به ، دون اليهودية والنصرانية وغيرهما من الملل - ولا هُو سَاهٍ عن عقابكم على فعلكم ذلك ، ( 1 ) بل هو مُحْصٍ عليكم حتى يُجازيكم به من الجزاء ما أنتم له أهلٌ في عاجل الدنيا وآجل الآخرة . فجازاهم عاجلا في الدنيا ، بقتل بعضهم ، وإجلائه عن وطنه وداره ، وهو مُجازيهم في الآخرة العذابَ المهين . * * *
--> ( 1 ) انظر تفسير " غافل " فيما سلف 2 : 243 - 244 / ثم : 316 .